محمد جمال الدين القاسمي

518

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كعوض ماليّ ، أو معنويّ كثناء جميل ، أو خدمة واستمتاع ، كما في النفقة على الأهل . وما كان لعوض ماليّ كان مبادلة لا مباذلة . أو هو بالنظر إلى الأغلب ، وتنزيل غيره منزلة العدم كما قيل : عدّنا في زماننا * عن حديث المكارم من كفى الناس شرّه * فهو في جود حاتم أفاده الشهاب . وقال ابن كثير : إن اللّه تعالى يصف الإنسان من حيث هو . إلا من وفّقه اللّه وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له . كما قال تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ [ المعارج : 19 - 22 ] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز . الثالث : ذكر هذه الآية إثر ما قبلها ، لتقرير انفراده تعالى بملك خزائن الرحمة ، وسعة كرمه وجوده وإحسانه . كما انفرد بتلك القدرة الباهرة من خلق السماوات والأرض ، كي تنجلي لهم قدرته العظمى ، وسعة خزائنه الملأى . فيصلوا بذلك إلى اليقين بصحة ما ادعاه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وحقية ما يدعوهم إليه . وذكر هذا المعنى في أسلوب بيان ما فطر عليه الإنسان ، تذكيرا له بنقصه وضعفه ، وإشفاقه وحرصه . ليعلم أنه غير مخلوق سدى ، يخلّى بينه وبين ما تتقاضاه به نفسه وهواه . والمعنى : أفلا تعتبرون بسعة رحمته وعميم فضله ، مما يبرهن على وحدانيته في ألوهيته ، ولا ترون ما أنتم عليه من أنكم لو ملكتم ما لا نفاد له من خزائنه ، لضننتم بها . مما يدلكم على أنه هو مالك الملك ، وأنكم مسخّرون لأمره . وهذه الآية كقوله تعالى أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً أي لو أن لهم نصيبا في ملك اللّه ، لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير . وقد جاء في الصحيحين « 1 » : ( يد اللّه ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار . أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ) . وقوله تعالى :

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التوحيد ، 19 - باب حدثنا معاذ بن فضالة حديث 2012 ، عن أبي هريرة . وأخرجه مسلم في : الزكاة ، حديث رقم 36 و 37 .